منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، تتعرض المدينة المحاصَرة لواحدة من أعنف الهجمات التي شهدها التاريخ الحديث. آلاف الشهداء من الأطفال والنساء، دمار شامل للبنية التحتية، وانقطاع تام للمياه والكهرباء والدواء والغذاء. وفي ظل هذه الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم، تتجه أنظار الرأي العام العربي، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، نحو مصر، مطالبةً بتدخل عسكري أو سياسي حاسم، وكأن القضية الفلسطينية تقع داخل الحدود المصرية فقط.
ما يثير الاستغراب هنا هو التجاهل التام ــ والمتعمَّد أحيانًا ــ للدور الغائب لدول الخليج العربي، التي تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا هائلًا، ناهيك عن علاقات وطيدة مع إسرائيل، تفوق تلك التي تربطها بمصر. ومع ذلك، لا نسمع نداءات حقيقية لتحميل هذه الدول مسؤوليتها تجاه ما يحدث في غزة، سواء على مستوى الضغط السياسي أو حتى في دعم صمود الشعب الفلسطيني.
مصر، التي خاضت حروبًا عدة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ووقعت اتفاقية سلام بعد تضحيات جسام، ما تزال تلتزم بموقف مبدئي ثابت تجاه القضية الفلسطينية، سياسيًا وإنسانيًا. ومنذ نكبة 1948 وحتى اليوم، لم تتاجر مصر بالقضية، بل دفعت من أمنها واقتصادها وسيادتها ثمنًا لمواقفها. على عكس بعض الدول التي هرولت نحو التطبيع مع الاحتلال دون مقابل، ودون أي التزام سياسي أو إنساني تجاه الشعب الفلسطيني.
وعلى الساحة الإسلامية، لا تبدو الصورة أفضل. فتركيا، التي كثيرًا ما ترفع صوتها دفاعًا عن الفلسطينيين، تحافظ على علاقات سياسية وتجارية وعسكرية قوية مع إسرائيل. ولا تتجاوز مواقفها حدود التصريحات الإعلامية، في مفارقة مؤلمة مع حجم المجازر اليومية في غزة.
أما عن ما قامت به حركة حماس في السابع من أكتوبر، فيبدو أنها لم تُقدّر بشكل كاف حجم الرد الإسرائيلي المتوحش. ومع ذلك، لا يمكن عزل ما يحدث عن المشهد الأوسع، حيث تُستخدم بعض الجماعات في المنطقة ــ مثل الحوثيين ــ كأدوات لإشعال مزيد من الصراعات، ضمن مشاريع إقليمية تهدف للهيمنة والتوسع لا لدعم فلسطين، كما تزعم تلك الأطراف.
المعادلة واضحة: القضية الفلسطينية لن تُحل عبر الشعارات، ولا عبر مطالبات عاطفية من وراء الشاشات. الحل الحقيقي يبدأ حين تتحمل جميع الدول العربية والإسلامية مسؤوليتها التاريخية، وتدرك أن غزة ليست قضية مصر وحدها، بل قضية شرفٍ ومبدأ يجب أن توضع في صدارة الأولويات السياسية والدبلوماسية لكل من يدعي الانتماء للأمة العربية والإسلامية.
إننا اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة: إما أن نكون أمناء على دماء الشهداء في غزة، أو أن نصمت، تاركين المقاومة وحدها تواجه آلة الإبادة، بينما نكتفي بالتغريد والدعاء.