مقالات صحفية


17 ألف طفل مجند… والشيطان يوقّع بأصابع الحوثيين

الأربعاء - 26 مارس 2025 - الساعة 07:12 م

د.محمد العرب  ‏@malarab1
الكاتب: د.محمد العرب ‏@malarab1 - ارشيف الكاتب



في اليمن، لا يُولد الطفل ليرسم حلماً أو يبني وطناً ، بل قد يُولد ليُحمل على كتفه بندقية تفوق وزنه، أو ليُقذف به إلى جبهات الموت قبل أن يتعلم كيف يكتب اسمه. الأرقام لا تكذب، لكن الفاجعة أكبر من أن تحتويها الإحصاءات. أكثر من 17000 طفل جندهم الحوثيون خلال السنوات الماضية، وفق تقارير أممية متعددة، لكن من بقي حيّاً يتم التلاعب بعقله، وتفخيخ روحه، ودفن طفولته بلا كفن؟
أساليب جماعة الحوثي في تجنيد الأطفال ليست فقط إجرامية، بل شيطانية بامتياز. تبدأ القصة دائماً ببساطة، بحلوى مغلفة، أو بكيس قمح، أو بوعدٍ بأن يصبح الطفل رجلاً عظيماً يخشاه الأعداء ، وينتهي المشهد بطفل مغطى بالتراب في جبهة نهم أو مأرب أو صعدة او الجوف. يجندونه بالوعد، بالكذب، بالغناء في الطوابير، ثم يسلّمونه بندقية طويلة وسلسلة من الأكاذيب.
يدخلون المدارس بخطب منمقة، يستعرضون بطولات (الشهداء) الوهمية ، وينظمون الرحلات الجهادية التي تبدأ كأنها نزهة وتنتهي بتدريبات عسكرية مكثفة في معسكرات سرّية، تُزرع فيها عقول الأطفال بالشعارات والموت. لا يوجد شيء اسمه طفولة في قاموسهم….!
كل طفل هو مشروع جندي، وكل عائلة فقيرة تُستغل. يعِدونهم بالسلال الغذائية، وبالراتب الشهري، وبأنّ (الشهيد في الجنة) ولا يخبرونهم أن الجنة في اليمن مغلقة حتى إشعار آخر.
الأكثر رعباً أن بعض الأطفال يتم اختطافهم فعلياً من الشوارع، من المدارس، أو من دور الأيتام. وهناك شهادات وثقتها منظمات دولية لأمهات رأين أبناءهن يُؤخذون من أيديهن، بذريعة (الدورات الثقافية) ولم يعد منهم إلا النعش، أو مجرد صورة مرفقة بلافتة (الشهيد المجاهد الصغير) الطفل لا يُسأل عن رأيه، ولا يُمنح حق البكاء، بل يُدرّب على ترديد الصرخة وتفكيك السلاح، وعلى أن العدو هو من لا يؤمن بالفكر الحوثي، سواء كان من جيرانه أو حتى من أهله.
الحوثيون طوّعوا المنابر، المدارس، البرامج الدينية، وحتى الأغاني، لتكون أدوات تعبئة شيطانية. يُطلقون على المجندين الصغار (أنصار الله الصغار) ، ويعقدون لهم حفلات تكريم حين يعودون بلا أطراف، أو لا يعودون أبدًا. الطفل الذي كان يرعى الغنم أو يلعب الكرة، صار رقماً في نشرة عسكرية، أو اسماً في قائمة قتلى (المعركة المقدسة)
في صنعاء وحدها، تم تسجيل عشرات المدارس التي تحولت من مؤسسات تعليم إلى منصات تعبئة، تُدرّس الكراهية بدل الجغرافيا، والحقد الطائفي بدل الرياضيات، وتُدرّب على استخدام الكلاشنيكوف بدل القلم. حتى القصص التي تُروى للأطفال في حصص القراءة، لم تعد عن الأمل أو الطفولة، بل عن (الشهيد الذي ضحى بنفسه فانتصر على الأعداء) ، هم لا يعلّمون الطفل كيف يحيا، بل كيف يموت.
وثّقت تقارير أممية، منها تقرير لفريق الخبراء المعني باليمن الصادر عن مجلس الأمن، تورط الحوثيين في تجنيد الأطفال في جميع المحافظات الخاضعة لسيطرتهم، بما في ذلك استخدامهم في المهام القتالية، الحراسة، زراعة الألغام، والعمل كمخبرين. كما رُصد استخدام فتيات في مهام لوجستية واستخباراتية، وهو انتهاك مزدوج للطفولة والإنسانية.
المدهش – والمُفجع – أن هذا التجنيد لا يتم فقط داخل اليمن. هناك شهادات عن أطفال لاجئين تمت إعادتهم من مناطق لجوء إلى الجبهات، بل إن بعض الأطفال تم تهريبهم إلى لبنان لحضور معسكرات تدريبية تابعة لحزب الله، ثم إعادتهم إلى اليمن كـ (نخب صغيرة) مدرّبة عقائدياً وعسكرياً
وإذا مات الطفل، لا تذهب أسرته إلى الحداد، بل يُجبر الوالد أحياناً على الظهور في فعالية تكريمية، يبارك فيها شهادة ابنه المجاهد ، ويحمد الله أنه رُزق فخر الشهادة ، لا يُسمح للحزن بأن يكون علنياً ، لأن الحزن على الشهيد خيانة للمشروع الإلهي كما يصفونه.
أما من يعترض؟ فمصيره السجن، أو الإذلال، أو تهم الخيانة الوطنية ، أو تُقطع عنه المساعدات الغذائية. في قرى كاملة تم تهديد شيوخها لأنهم رفضوا إرسال أطفالهم للجبهات، وفي بعض الحالات، تم منع دخول الدواء والغذاء عن العائلات التي رفضت تسليم أطفالها لـ (الدورة الثقافية) يجندون بالفقر، يهددون بالجوع، ويغلفون الجريمة بالقداسة.
17 ألف طفل تم تجنيدهم رسمياً ، بحسب الأرقام، ولكن الرقم الحقيقي قد يكون أضعاف ذلك. لأن التوثيق صعب، والقصص تُدفن مع أجساد الأطفال في شعاب نهم، وصحراء الجوف، وتلال البيضاء. المأساة ليست في العدد، بل في الرضى الصامت الذي فرضته جماعة الحوثي بالقوة والخوف والدعاية. المأساة أن المجتمع الذي لم يستطع حماية أطفاله، لن ينجو من حرب طويلة الأمد… تبدأ بالبندقية الصغيرة، ولا تنتهي إلا حين تنضج الكراهية في قلوب الصغار الذين نجوا من الموت، ليصبحوا هم وقود الحرب القادمة.
حين يُستبدل الحليب بالرصاص، والمناهج بالتجنيد، والعيد بجنازة، تصبح الطفولة اليمنية في خطر وجودي. الطفل الذي يرى الدم كرمز للفخر، لن يعرف كيف يبني وطناً ، بل سيتعلم فقط كيف يهدمه. الحوثيون لم يجنّدوا أطفالاً فقط، بل جنّدوا مستقبل اليمن ضد نفسه، فصلوا الحاضر عن الغد، وجعلوا من الطفولة حقلاً للأفكار المسمومة. وبينما ينام العالم على تقارير مكررة، يواصل الشيطان التوقيع… بأصابع الحوثيين.




شاهد ايضا


"حرب الجبال".. ماذا وراء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في #اليمن؟ ...

الأحد/30/مارس/2025 - 08:03 م

اعتمدت الولايات المتحدة منذ إطلاقها العملية العسكرية الثانية ضد ميليشيا الحوثيين في اليمن، استراتيجية تكتيكية مُغايرة لتلك التي اعتمدتها في عملياتها ا


انفجارات عنيفة تهز #صنعاء ...

الأحد/30/مارس/2025 - 08:00 م

تجددت الغارات الأمريكية، مساء اليوم الأحد، الأول من أيام عيد الفطر المبارك، على مواقع مليشيا الحوثي في صنعاء. وذكرت مصادر محلية أن الطائرات الأمريكية


السعودية ترحب بإعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة ...

الأحد/30/مارس/2025 - 07:54 م

رحبت المملكة العربية السعودية، بإعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة، واعربت عن أملها في أن تحقق هذه الحكومة تطلعات الشعب السوري. وأكدت وزارة الخارجية